بعدما استسلم السياسيون الى واقع استحالة الاتفاق على قانون للانتخابات النيابية، تهافتوا الى وزارة الداخلية في منطقة الصنائع يقدمون ترشيحاتهم واعترافهم الضمني بالستين قانوناً، بعدما رذلوه بإجماع منقطع النظير، لكن الخشية لدى هؤلاء ان تداهمهم الانتخابات بقانونها الستيني لذلك توافدوا بالعشرات مع الأوراق الثبوتية خصوصاً ان التمديد لا يزال متأرجحاً بين اقتراح قدمه النائب نقولا فتوش ومعارضة للعماد ميشال عون سيجر حلفاؤه اليها لاحقاً.
وبذلك أنهت القيادات المسيحية حقبة الأرثوذكسي وما رافقها من حملات التخوين والاتهامات فيما بينها، لتبدأ من بعدها الماكينات الانتخابية دراسة الواقع الانتخابي على الأرض والتفتيش عن أفضل السبل لخوض الانتخابات وتأمين الانتصار، لكن لا تزال هذه القيادات حائرة ولا تدري على اي قانون سوف يرسو الاستحقاق الانتخابي، كما ان هذه القوى المسيحية خرجت من معركة القانون الذي لم يبصر النور مثخنة بالجراح، اضافة الى شكوك باتت يقيناً لدى هؤلاء بان الحلفاء في الفريقين لن يساندوا حلفاءهم المسيحيين، تارة بتركهم وحيدين يحترقون بنار الأرثوذكسي كما حصل مع سمير جعجع داخل بيئته المسيحية، او عبر مقولة الحفاظ على الميثاقية وبأن أسوأ قانون يحظى بالاجماع الوطني يبقى أفضل من القانون الجيد، كما حصل مع العماد ميشال عون الذي انتظر طويلاً قبل ان يفتح حليفه الرئيس نبيه بري الجلسة العامة لإقرار القانون الجيد.
العتب كبير داخل البيت الواحد، فسمير جعجع اكتشف مدى اصرار حليفه الرئيس سعد الحريري على رفض الأرثوذكسي وعلى رفض القانون البديل المختلط، كما انه رفض ان يقدم جعجع اية تسهيلات يستطيع عبرها الأخير رفض الأرثوذكسي بكل ارتياح امام القيادات المسيحية، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل بل رافق عناد المستقبل حملة شنها المقربون من بيت الوسط وتحديداً من القوى المسيحية الحاضرة دائماً على طاولة الأمانة العامة لقوى 14 آذار. ويروي العارفون بعض الفصول من المعاناة معتبرين ان «دود الخل منه وفيه»، خصوصاً ان الغيارى المسيحيين في قوى 14 آذار ساهموا كثيراً في حال اللاتفاهم بين جعجع والحريري خصوصاً ان الأخير نام في الليلة الأخيرة عشية جلسة الخامس عشر من أيار بعد ان أنهى مكالمته الهاتفية العاصفة مع جعجع التي استمرت لساعتين بقول «لا» حاسمة ونهائية للأرثوذكسي والمختلط. وفي تلك الليلة قرر جعجع ان يصدر بياناً يوضح فيه تفاصيل ما جرى مع رئيس تيار المستقبل وأن يعلن فيه انشقاقه السياسي وفك التحالف مع التيار، لكن يضيف العارفون، فان الحريري اجتمع في صباح اليوم التالي مع المستشارين في الحلقة الضيقة الذين أكدوا له خطورة الانفصال في هذا الظرف وأنه اذا حصل فان في ذلك انفراطاً نهائياً لقوى 14 آذار، وبعد أخذ ورد حمل الحريري مخاوفه واتصل مجدداً بمعراب وبدأ النقاش الهادىء مع جعجع الذي وافق بنتيجته على القانون المختلط، كذلك تعهد الحريري لجعجع بوضع كل جهوده لإقناع النائب وليد جنبلاط وهكذا انطلقت الاجتماعات بين عدد من النواب الاشتراكيين ومن تيار المستقبل مع النائب جورج عدوان، لينتهي هذا اليوم الطويل باتفاق ثلاثي على تأييد المختلط في القاعة العامة على ان يكون بديلاً عن الأرثوذكسي.
في المقابل « العماد ميشال عون لم يكن مع حلفائه بأحسن حال من جعجع، بعدما هدأت الحملات العنيفة المتبادلة ليكتشف عون ان رئاسة المجلس لم تؤمن البيئة النيابية الصالحة لإقرار الأرثوذكسي، بل وضعت الشروط التعجيزية قبل ان تفتح ابواب القاعة العامة، كما ان القوات اللبنانية أصبحت ضيفاً دائماً في عين التينة وبات جورج عدوان يتصدر صالون الأربعاء التقليدي للرئيس نبيه بري، كما ان العماد عون شعر بحليفه الاستراتيجي حزب الله يميل الى التهدئة السياسية خوفاً من اي خربطة أمنية.
فالحزب سارع سابقاً الى تأييد تمام سلام رئيساً مكلفاً وهو اليوم لا يمانع بالتمديد للمجلس النيابي وهذا أمر يرفضه عون جذرياً لأنه يقضي على الطموحات المتعددة للتيار الوطني الحر، لأجل ذلك لم يجد عون أي إحراج في جوابه رداً على سؤال للزميل وليد عبود حول رأيه في مشاركة عناصر النخبة للحزب في القصير بالقول «انا مع المقاومة في جنوب لبنان»
مجدداً الميدان المسيحي الوحيد الذي تخاض فيه المعارك الانتخابية وفيه ايضاً تخاض معركة قانون الانتخابات، ودائماً في هذا الميدان تدفع القيادات المسيحية الأثمان تارة بصراعها فيما بينها او مع الحلفاء داخل فريقها، والحلف الرباعي خير مثال وحبره لم يجف بعد.
















































